الشيخ محمد رشيد رضا
100
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
4 - حب اللّه ورضاه وكرهه وسخطه وغضبه قال تعالى ( 7 إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) وقال في المهاجرين والأنصار [ 100 رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ] وقال في جزاء المهاجرين المجاهدين [ 72 ورضوان من اللّه أكبر ] ويدخل في معناه ما صح في الأحاديث من مقام الرؤية كما بيناه في تفسيرها وقال في شأن المنافقين [ 96 فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ] أسند اللّه تعالى إلى نفسه الحب والرضى في هذه الآيات وفي سور أخرى ، كما أثبت لنفسه الكره في قوله من هذه السورة [ 47 وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ ] والسخط والغضب في سور أخرى . والمتكلمون يتأولون هذه الصفات بالإثابة والاحسان من لوازم الحب والرضى ، وبالعقاب من لوازم السخط والكره والغضب ، فرارا من تشبيه الخالق بعبيده الذين تعد هذه الصفات انفعالات نفسية لهم يتنزه اللّه عنها . ومذهب السلف الصالح إثبات ما أثبته اللّه تعالى لنفسه وأثبته له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل ، فيقولون ان حب اللّه تعالى وكرهه ورضاه وغضبه صفات تليق به تترتب عليها آثارها ، وهي لا تماثل ما سمي باسمها من صفات البشر ، كما أن ذاته ونفسه وعلمه وقدرته لا تماثل ذوات البشر وعلمهم وقدرتهم بلا فرق . بل نقول إن من خلق اللّه في عالم الغيب من الجن والملائكة لا يماثل في إدراكاته ولا في غيرها ما في عالم الشهادة ، بل روي في ثمر الجنة أنه يشبه ثمر الدنيا وليس مثله وعن ابن عباس [ رض ] انه ليس في الجنة من أطعمة الدنيا الا الأسماء . وقال تعالى في نعيم الآخرة [ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ] وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تفسيره له « قال اللّه تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » وأمر بقراءة الآية متفق عليه وأما الكلام مع أهل التأويل من ناحية الأدلة العقلية التي يزعمون الانفراد بها دون علماء السلف فهو أن حب الحق والخير كالايمان والعدل وأهلهما ، وكراهة الباطل كالكفر ، والشر كالظلم ومجترحيهما ، كلاهما من صفات الكمال المحض ، وكل ما كان كمالا محضا فالعقل يوجبه لواجب الوجود بأعلا مما يكون